المقريزي
14
رسائل المقريزي
هذا الاسم قريش الظواهر ، لأن قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « الأئمة من قريش » « 1 » واقع على كل قرشي ، ومع ذلك فأسباب الخلافة معروفة وما يدّعيه كل جيل معلوم ، وإلى كل ذلك قد ذهبت الناس ، فمنهم من ادعاها لعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، باجتماع القرابة والسابقة والوصية بزعمهم ، فإن كان الأمر ذلك ، فليس لبنى أمية في شيء من ذلك دعوى عند أحد من أهل القبلة ، وإن كانت إنما تنال الخلافة بالوراثة ، وتستحق بالقرابة ، وتستوجب بحق العصبة ، فليس لبنى أمية في ذلك متعلق عند أحد من المسلمين . وإن كانت لا تنال إلا بالسابقة فليس لهم في السابقة قديم عهد مذكور ولا يوم مشهور ، بل لو كانوا إذ لم تكن لهم سابقة ، ولم يكن فيهم ما يستحقون به الخلافة ، ولم يكن فيهم ما يمنعهم منها أشد المنع كان أهون وكان الأمر عليهم أيسر . فقد عرفنا كيف كان أبو سفيان « 2 » في عداوته للنبي صلى اللّه عليه وسلّم وفي محاربته وفي إجلابه عليه وغزوه إيّاه ، وعرفنا إسلامه كيف أسلم ، وخلاصه كيف خلص ، على أنه إنما أسلم على يدي العباس « 3 » رضي الله عنه ، والعباس هو الذي منع الناس من قتله « 4 » وجاءه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--> ( 1 ) صحيح ورد عن جمع من الصحابة منهم أنس وعلي بن أبي طالب ، وأبى برزة الأسلمي . رواه أحمد ( 3 / 129 ، 183 ) ، والطيالسي ( منحة المعبود 2596 ، 2597 ) ، والحاكم في المستدرك ( 4 / 76 - ك : المناقب ) ، وابن أبي عاصم في السنة ( 2 / 531 ، 533 ) ، والدولابي في « الكنى » ( 1 / 106 ) ، وصححه العراقي في « تخريج الإحياء » ( 4 / 102 ) ، والحاكم ( 4 / 501 ) وأقره الذهبي . ( 2 ) أبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، واسم أبي سفيان : صخر ، صحابي شهير ، أسلم عام الفتح ، ومات سنة اثنتين وثلاثين ، وقيل بعدها . انظر : التقريب ( 1 / 365 ) ، رجال صحيح مسلم ( 2 / 228 ) ، فتح الباري ( 9 / 418 ) . ( 3 ) العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، عم النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، كنيته : أبو الفضل ، توفى بالمدينة سنة أربع وثلاثين ، ويقال : سنة ثنتين وثلاثين في خلافة عثمان ، وصلى عليه عثمان رضي الله عنه ، وهو ابن ثمان وثمانين سنة . انظر : الإصابة ( 2 / 271 ) ، أسد الغابة ( 3 / 109 ) ، المستدرك ك : المناقب ( 3 / 362 ، 363 ) والبداية والنهاية ( 7 / 152 ) . ( 4 ) وكان ذلك عند فتح مكة فقابله العباس وقال له : يا أبا سفيان ، هذا رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم في الناس ، واصباح قريش والله ! ! قال أبو سفيان : فما الحيلة فداك أبي وأمي ؟ قال : والله لئن ظفر بك ليضربنّ عنقك ، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم فاستأمنه لك ، فلما رآه عمر بن الخطاب على عجز الدابة قال : أبو سفيان عدو الله ، الحمد الله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ، ثم خرج يشتدّ نحو رسول الله ، فسبقه العباس بدابته ، فدخل عليه العباس ودخل معه عمر فقال : يا رسول الله ، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه فدعني فلأضرب عنقه . فقال العباس : يا رسول الله ، قد أجرته ، فلم أصبح غدا به إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم فقال له صلى اللّه عليه وسلّم : « ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله » . . . فقال له العباس : ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك . قال : فشهد شهادة الحق فأسلم ، فقال العباس : قلت : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئا قال : « نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن . . . » انتهى باختصار . انظر : سيرة ابن هشام ( 3 / 1243 - 1245 ) ، ورواه الطبراني في الكبير كما في « المجمع » ( 6 / 166 ) للهيثمي وقال : رجاله رجال الصحيح . والبيهقي في « دلائل النبوة » ( 5 / 34 ) ، والطحاوي في « شرح معاني الآثار » ( 3 / 320 ، 321 ) ، وانظر : البداية والنهاية ( 4 / 290 ) ، ومختصر تاريخ دمشق لابن بدران ( 6 / 401 ) .